الشيخ محمد هادي معرفة
197
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بلبن الذهب والفضّة ، وأنّ حصباءها لئالئ وجواهر ، وترابها بنادق المسك . . . فإنّ هذا كلّه من خرافات الإسرائيليّين ، من وضع بعض زنادقتهم ، ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدّقهم في جميع ذلك . وقال فيما روي عن ابن قلابة : فهذه الحكاية ليس يصحّ إسنادها ، ولو صحّ إلى ذلك الأعرابيّ فقد يكون اختلق ذلك ، أو أصابه نوع من الهوس ، والخبال ، فاعتقد أنّ ذلك له حقيقة في الخارج ، وهذا ما يقطع بعدم صحّته . وهذا قريب ممّا يخبر به كثير من الجهلة ، والطامعين ، والمتحيّلين من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب والفضّة ، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة ، والسفهاء ، فيأكلونها بالباطل ، في صرفها في بخاخير ، وعقاقير ، ونحو ذلك من الهذيانات ، ويطنزون بهم . « 1 » * * * والصحيح في تفسير الآية ؛ أنّ المراد « بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ » قبيلة عاد المشهورة ، التي كانت تسكن الأحقاف ، شمالي حضرموت ، وهي عاد الأُولى ، التي ذكرها اللّه سبحانه في سورة النجم ، قال سبحانه : « وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى » ، ويقال لمن بعدهم : عاد الآخرة ، وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح . قاله ابن إسحاق وغيره ، وهم الذين بعث فيهم رسول اللّه هودا عليه السلام فكذّبوه ، وخالفوه ، فأنجاه اللّه من بين أظهرهم ، ومَن آمن معه منهم ، وأهلكهم « بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » « 2 » . وقد ذكر اللّه قصّتهم في القرآن في غير ما موضع ، ليعتبر بمصرعهم المؤمنون ، فقوله تعالى : « إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ » ، بدل من « عاد » أو عطف بيان زيادة تعريف بهم ، وقوله تعالى : « ذاتِ الْعِمادِ » ؛ لأنّهم كانوا في زمانهم أشدّ الناس خلقة ، وأعظمهم أجساما ، وأقواهم بطشا . وقيل : ذات الأبنية التي بنوها ، والدور ، والمصانع التي شادوها . وقيل : لأنّهم كانوا يسكنون بيوت الشَعر التي تُرفع بالأعمدة الغلاظ الشداد . والأوّل أصحّ وأولى ، فقد
--> ( 1 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 507 - 508 . ( 2 ) - . الحاقّة 6 : 69 - 8 .